الرئيسية / أنشطة ملكية / مكناس أيام المجد الذكرى 82 لمعركة ماء بوفكران

مكناس أيام المجد الذكرى 82 لمعركة ماء بوفكران

ما زالت معركة بوفكران، التي يخلد الشعب المغربي ذكراها الـ 82 وأحداثها البطولية، التي جرت في فاتح وثاني شتنبر 1937، خالدة في أذهان المغاربة كواحدة من المحطات البارزة في مسيرة الكفاح البطولي للشعب المغربي من أجل كرامة الوطن وعزته.

هي أيضا واحدة من ملاحم الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي ومقاومة محاولات احتكار مياه وادي بوفكران وتحويل مجاريها لصالح المعمرين ما جعل هذه المعركة الخالدة تعرف بـ”كيرة الماء لحلو”.

ولم يكن المعمر الفرنسي يتوقع أن ينتفض أهل مكناس بصلابتهم وبطولتهم الوطنية على إثر إقدام سلطات الحماية على تحويل مياه مدينة بوفكران الصغيرة الواقعة بين مكناس والحاجب لتستفيد من هذا المورد المائي ضيعات المعمرين بالدرجة الأولى. وهي معركة نشبت بين سكان العاصمة الإسماعيلية والمعمرين المتطاولين على مياه هذا الوادي.

تحويل ماء بوفكران إلى ضيعات المعمرين :

أقدمت الإدارة الاستعمارية، المتمثلة في إدارة الأشغال العمومية، على تحويل مجاري مياه وادي بوفكران عن مرافق مدينة مكناس ونواحيها لفائدة المعمرين، وهو ما أثار غضب أهل مكناس واحتجاجهم على هذا التصرف الجائر، بعد أن سبق للسلطان المولى إسماعيل أن جعله محبسا لفائدة سكان مكناس، بل وقفا مخلدا منذ سنة 1106 هجرية.

ومنذ العهد الإسماعيلي والسكان يتصرفون في هذا الماء، بجميع أنواع التصرف، ويشترون منه ما يكفيهم في منازلهم وسقي حقولهم، ويسجل البيع والشراء في رسوم عدلية، ينص فيها على ما يملكه المشتري من الماء (شكل أو شكلان) مثلا، ولا يزال العمل جاريا بهذه الطريقة ويؤيد ذلك ظهير اسماعيلي ووثيقة عدلية.

وعملا بالظهير والوثيقة المشار إليهما واعتمادا على ما بيد السكان من وثائق عدلية تثبت ملكيتهم للماء، قرر المسيرون للحركة الوطنية بمكناس، باتفاق مع جميع الطبقات المتمثلة في العلماء والفلاحين والتجار والأحرار، بأن يرفعوا عريضة إلى كل من جلالة المغفور له محمد الخامس والإقامة العامة الفرنسية، يستنكرون فيها القرار الوزيري القاضي بكيفية توزيع (ماء بوفكران)، والعريضة مؤرخة بتاريخ 16 يونيو 1937 و تضم إمضاءات علماء و تجار و فلاحي المدينة أبرزهم مولاي عبد السلام المراني و محمد بن المدني بناني و العلامة الفقيه محمد برادة و مولاي عبد المالك المنوني و الفقيه ابراهيم الهيلالي و آخرون.

العريضة المقدمة للسلطان محمد الخامس تتضمن توقيعات علماء و تجار و عدول و قضاة و فلاحي مدينة مكناس .

 

إلا أن الإدارة الاستعمارية لم يرضها هذا الموقف، فصارت تأخذ جانب الحذر، لما عسى أن يحدث، وخصوصا عندما قام المواطنون بمظاهرة سليمة صباح الأربعاء فاتح شتنبر (1937م)، انطلاقا من مسجد جامع الزيتونة إلى مقر البلدية محتجين لدى رئيسها على تشبث الإدارة بموقفها السلبي إزاء قضيتهم، وفي محاولة لإقناع المواطنين، استدعت الإدارة عشية يوم المظاهرة، لجنة المفاوضات و المكونة أساسا من العلامة الفقيه محمد برادة و الاستاذ أحمد بن شقرون و مولاي إدريس المنوني”تاجر” و الحاج محمد بن عزو” فلاح” ومحمد مدان السلاوي “فلاح” بواسطة باشا المدينة الحاج أحمد السعيدي، الذي كانت مواقفه مشرفة إزاء قضية الماء من البداية إلى النهاية، فذكر للجنة أن الإدارة تقترح التنازل لفائدة المعمرين عن 12 جزءا من الماء، فرفضت اللجنة رفضا باتا التنازل ولو على قطرة واحدة من الماء.

وبعدما تيقنت الإدارة الاستعمارية أن سياسة المراوغة لم تفدها، وأن جميع محاولاتها اليائسة قد فشلت، لأن موقف المكناسيين إزاء قضيتهم لا تردد فيه، عمدت إلى استعمال أسلوب العنف.

ساحة الهديم مسرح للمعركة

في صباح يوم الخميس 25 جمادى الثانية 1356، موافق 2 شتنبر 1937، طوقت الشرطة المدنية والعسكرية الفرنسية المدينة ونواحيها، واستدعت خمسة أفراد هم احمد بن شقرون و العلامة الفقيه محمد برادة و الحاج محمد بن عزو و محمد مدان السلاوي و مولاي إدريس المنوني عن لجنة التفاوض، فألقت عليهم القبض، وساقتهم إلى السجن المدني سيدي سعيد بمكناس.

وبمجرد ما ألقي القبض عليهم قرر المواطنون أن يقوموا بمظاهرة احتجاج واستنكار، فاجتمعوا بالجامع الكبير وسط المدينة العتيقة، وخرجوا في مظاهرة سلمية، وبيدهم لافتة كتب فيها (نريد إطلاق سراح إخواننا، الماء ماؤنا، تفديه أرواحنا)، وكان ذلك هو شعار المظاهرة الذي كان يردد من طرف المتظاهرين بأصوات عالية، وفي ساحة الشرف (ساحة الهديم) التقت الجموع مهللة مكبرة، مرددة للشعار الخالد: (الماء ماؤنا، تفديه أرواحنا)حيث اعتبرت الساكنة المكناسية أن اعتقال أعضاء اللجنة الخمسة المعروفين بالمدينة بمكانتهم العلمية و النظالية و النزاهة العالية أمر غير مقبول و تجاوز خطير يحمل تهديدا لكل المكناسيين  .

وأمام هذا الموقف الشجاع لأهل مكناس أعطت قيادة الجيش أوامرها للجنود بإطلاق الرصاص على جموع المتظاهرين، فأخذوا يطلقون نيران قذائفهم على المواطنين، وكان أول شهيد سقط في معركة برصاص الغدر، هو الشهيد الشاب أحمد العمراني حامل اللافتة، ثم تلاه شهيد آخر وهو السعيد الإسلامي، الذي سبقت له السعادة لأنه كان قد انسلخ عن ديانة اليهودية، واعتنق الإسلام، بمحض إرادته. كما سقط في الساحة شهداء آخرون.

وفي هذا الجو المفعم بالأسى والحسرة، ووسط هتاف الجماهير بالتكبير والتهليل اختلط الحابل بالنابل، وصار المتظاهرون يردون على المعتدين بالحجارة والعصي وسط الساحة ومن فوق سطوح المنازل، أما سكان حي الزيتون الذين منعوا من النزول إلى ساحة المعركة بسبب الحواجز التي نصبت في طريقهم فقد قاموا بدور مهم، حيث عمدوا إلى السدود وقنوات ماء بوفكران الممتد من حيهم إلى حقول المعمرين وحطموها بفؤوسهم.

كما أن المرأة شاركت بدورها في رد الهجوم على المتظاهرين حيث ألقت مقاومة اسمها رقية من فوق سطح المنزل بمدخل سيدي عمر بوعوادة رحى على جندي فرنسي فأردته قتيلا.

واستطاع المواطنون أن ينقلوا من الساحة أحد عشر قتيلا ارتفع عددهم في الأيام الموالية إلى سبعة عشر، من بينهم الشهيدان: العمراني وسيعد سابقا الذكر. كما استطاعوا إنقاذ عدد من الجرحى، وفي بيت من بيوت الله (المدرسة الفلالية) الواقعة قرب المسجد الأعظم، وعقب صلاة المغرب يوم المعركة، وفي مشهد رهيب، حمل الشهداء على الأكتاف إلى مثواهم الأخير بالمقبرة العمومية خارج باب البرادعيين، الذي أصبح يطلق عليه في ما بعد (مقبرة الشهداء)، وأما المواطنون فقد ظلوا معتكفين بالجامع الكبير طيلة ثلاثة أيام يرتلون القرآن الكريم ترحما على أرواح الشهداء.

مغزى معركة ماء بوفكران

يعتبر يوم 2 شتنبر 1937 حدثا تاريخيا جسد فيه المكناسيون كل المواقف الوطنية الخالصة، وأظهروا فيه مدى أصالة الشعب المغربي بجميع شرائحه، حيث اتخذت المقاومة طابعا أكثر شعبية ووطنية، فكانت أحداث بوفكران موعد انطلاق الشرارة الأولى ضد المستعمر الفرنسي.

وكان أول من احتج وندد الزعيم علال الفاسي، ومحمد بن الحسن الوزاني، ومحمد اليزيدي، كما طالبوا بفتح تحقيق لمعاقبة الطغاة من الفرنسيين.

وعلى إثر هذه الاحتجاجات التي نشرت في الصحف الوطنية والدولية تقرر على الصعيد الوطني أن يكون يوم 6 شتنبر 1937 “يوم التضامن مع مكناس” بإقامة صلاة الغائب على أرواح الشهداء، وتنظيم مظاهرات سلمية وجمع بعض الإعانات لعائلات الضحايا والمصابين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!